ابن عربي
20
مجموعه رسائل ابن عربي
عليه كتمه لما عسر على غيره فهمه ، ولما كانت هذه العلوم التي أنا واضعها في هذا المجموع وأشاهد من هذا القبيل ، ومتلقاه من مشكات هذا الجيل ومما لا يصح إلّا بعد مفارقة جبريل ، وكل صنف من الملأ الأعلى وقبيل لم يصح عندنا إذاعتها ، ولا أن نرفع حجابها فتكشف سريرتها فكلما أبرزناه لعين الناقد البصير إنما هو من تلقيات الروح الأمين ومن سطرة المنتهى السالكين ، وبعض تلقيات التعيين والتمكين من حضرة المناجاة بلغة الإنس لإزالة سطوة الهيبة ونزول رحمة الإنس ، فاظهر منها على قدر أبصار الناظرين ، فمنهم من فهم وسلم ومنهم من جال بها في ميدان المناظرين ، ومن ذلك موج مجرد مجنون تجرد عنه لؤلؤ مكنون ، ولما توالت عليّ الأسرار وسطعت من جميع مسام نشأتي أشعة الأنوار اغتسلت بالماء القراح لسد المسام ، فانعكست الأنوار إلى محل الإلهام فتفجرت جداولها وأنهارها ، وأشتد الريح الغربي فتموجت بحارها فدخل الموج بعضه على بعض واسرع إلى ما أبرمه المبرم بالحل والنقض فلا تبصر إلّا سحابا مركوما ، وموجا مجنونا في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج ومن فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض حتى ما بقي على ظهر هذا البحر فلك يجري ولا ظهر في جو فلك يسري إلى أن لطف المغيث سبحانه فسكن من الريح ما أشتد وكثر الموج بالساحل وامتد فرمي بزبده على سفينة زبد مخض لوضيع الوقت وشريفة قد علم كل أناس مشربهم وحققوا طريقهم ومذهبهم ، فذاك الزبد قدر ما خرج من بحر قلوب العارفين على ظواهرهم إلى الخلق ولا يعرف قدره إلّا صاحب ذوق ، وهذا الكتاب المحفوظ من طوارق العلل والمسمى في غيابات الأزل ، عنقا مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب ، ونكتة سر الشفاء في القرن اللاحق بقرن المصطفى من ذلك الزبد الزبد الذي رماه الموج يلوح للمنفرد به الفرد وللجامع عليه الزوج فمن شاء فليوتر ، ومن شاء فليشفع ومن شاء فليكتم ، ومن شاء فليشع ، وهذا القرن قد آن زمانه وقرب أوانه ، فليتأهب المتأهب لحلوله ، وليستغنم السعي لهذا النور الإلهي قبل أفوله ، لا تحجب يا أخي فإن القرن اللاحق بقرن المصطفى لم يزل موجودا ما دام الإنسان مع ربه سبحانه شاهدا له والحق له مشهودا ، وإن كان الذي أشار إليه الشرع ، وجاء به السمع في عبارة الهرج والقتل فذلك أو أن التقدم في الفضل فإن للعمل منهم ممن تقدم وإن كان الإمام المقدم فإنهم لا يجدون على الخير أعوانا كما وجدوا ، ولا يشهدون لإمامهم عينا كما شهدوا ، فلا شيء أقوى من إيمان غيب إذا لم يلحق بصاحبه ريب ، وذلك